عشر ذي الحجة والأضحية

عشر ذي الحجة والأضحية لقـد خصَّ الله سبحانه وتعالى بعض الأمكنة والأزمنة بفضائل ومزايا، حيث ضاعف فيها الأجر والثواب، ومن هذه الأزمنة التي خصَّها الله بفضائل العشر الأول من ذي الحجة، فقد جعل الشرع الأعمال الصالحة فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله، فعلى العبد أن يكثر فيها من الأعمـال الصّالحة، كالصّلاة والزّكاة والصوم والصدقة وغيرها؛ حتى ينال الأجر الكبير، والجزاء الوفير من الله العلي الكبير.

شرّفها وكرّمها ربّ العزة والجلال، فأقسم بها في أوّل سورة الفجر ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ (الفجر: 1، 2)
وأمر بذكره سبحانه وتكبيره فيها فقال تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ البقرة: 203
وقال تعالى : ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾ [الحج: 27، 28.
وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله عز وجل من هذه الأيام)) – يعني: أيام العشر- قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء))؛ رواه البخاري. عشر ذي الحجة والأضحية

الأعمال المستحبة في العشر الأوائل من ذي الحجة

  • التوبة: التوبة النصوح بين يدي الله تعالى في هذه الأيام: فإذا كانت التوبة مطلوبة في كل يوم وليلة؛ لا سيّما وأنّ الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل، فإن التوبة مطلوبة بالأحْرَى في هذه الأيام الكريمات المبارَكات.
  • الصوم: وفيه حديث حفصة بنت عمر رضي الله عنها في مسند الإمام أحمد قالت: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع صيام عاشوراء وعشر ذي الحجة وثلاثة أيام من كل شهر). لا سيّما صيام يوم عرفة؛ لأنّ يوم عرفة يوم يعتق الله فيه رقابًا من النّار، وهو يوم دعاء ولجوء ومغفرة من الرحيم الرحمن، يوم يدنو الله فيه من عباده، يوم يباهي فيه الله بعباده، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلّم  ( :صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ ).
  • الذكر والتكبير والتهليل والتحميد: يقول الله تعالى: «وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ»، وفي الحديث -كما عند الإمام أحمد في مسنده، والحديث صحيح، وفيه -يقول النبي الحبيب صلى الله عليه وسلّم: “ما منْ أيامٍ أعظم عند الله ولا أحَبُّ إليه العمل فيهنَّ منْ هذه الأيام العَشْر، فأكثروا فيهنَّ من التهليل والتكبير والتحميد ، ومن صيغ التكبير :   اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لا إِلهَ إلاَّ اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وللهِ الْحَمْدُ.
  • الإكثار من الصدقات المادية والمعنوية: لما فيها من التقرّب إلى الله تعالى وابتغاء الأجر والثواب منه سبحانه عن طريق البذل والعطاء والإحسان للآخرين، قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ سورة الحديد: 11
  • الإكثار من الأعمال الصَّالحة عمومًا: لأنّ العملَ الصَّالح محبوب إلى الله تعالى وهذا يستلزم عِظَم ثوابه عند الله تعالى. فمن لم يمكنه الحجّ فعليه أن يعمر هذه الأوقات الفاضلة بطاعة الله تعالى من الصلاة وقراءة القرآن والذكر والدعاء والصدقة وبر الوالدين وصلة الأرحام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقضاء حوائج الناس وغير ذلك من طرق الخير وسُبُل الطاعة.
  • ذبح الأضحية: العزم على فعل الأضحية مع الالتزام بسنن وهدي الذبح، فمما وجَّـه إليه الإسلام من آداب في هذه العشر أنّ من عزم على أن يضحي كره له حلق شيء من شعره أو تقليم أظافره لما روى مسلم عن أم سلمة أنّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظافره. وعلى المسلم أن يتقرُّب إلى الله تعالى بذبح الأضاحي، وألَّا يحرم نفسه ـ إذا كان مقتدرًا ـ من تقديم أضحية لله عز وجل يوم العيد أو خلال أيام التشريق ( 11،12،13)، فهي من السنن المؤكدة عن النبي صلّ الله عليه وسلّم ومن أفضل الأعمال في هذه الأيام الفاضلة.

الأضحية  

الاضحية من شعائر الإسلام العظيمة التي أمر الله بها، وحثَّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم  ، وهي ما يذبح في يوم النحر، وأيام التشريق من الإبل، والبقر، والغنم تقربًا إلى الله تعالى، وسميت بذلك لأنها تذبح ضحًى بعد صلاة العيد.

وشرعت إحياءً لسنة خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، إذ أوحى الله إليه أن يذبح ولده إسماعيل ثم فداه بكبش فذبحه بدلًا عنه، قال تعالى: ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم ﴾ الصافات:107 ،  وشكرًا لله على ما سخر لنا من بهيمة الأنعام، قال تعالى :

﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون * لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ﴾ الحج: 36-37.

من شروط الأضحية

الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم ضأنها ومعزها

لقوله تعالى:( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ )الحج/34

وبهيمة الأنعام هي الإبل ، والبقر ، والغنم .

 الثاني: أن تبلغ السن المحدد شرعاً بأن تكون جذعة من الضأن ، أو ثنية من غيره

والمسنة : الثنية فما فوقها ، والجذعة ما دون ذلك .

فالثني من الإبل : ما تم له خمس سنين .

والثني من البقر : ما تم له سنتان .

والثني من الغنم ما تم له سنة .

والجذع : ما تم له نصف سنة ، فلا تصح التضحية بما دون الثني من الإبل والبقر والمعز ،ولا بما دون الجذع من الضأن .

الثالث: أن تكون خالية من العيوب المانعة من الإجزاء

وهي أربعة  :

  1. العور البيّن : وهو الذي تنخسف به العين ، أو تبرز حتى تكون كالزر ، أو تبيض ابيضاضاً يدل دلالة بينة على عورها .
  2. المرض البيّن : وهو الذي تظهر أعراضه على البهيمة كالحمى التي تقعدها عن المرعى وتمنع شهيتها ، والجرب الظاهر المفسد للحمها أو المؤثر في صحته ، والجرح العميق المؤثر عليها في صحتها ونحوه .
  3. العرج البيّن : وهو الذي يمنع البهيمة من مسايرة السليمة في ممشاها .
  4. الهزال المزيل للمخ : ومثلها الزمنى وهي العاجزة عن السير لعاهة

ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلّم حين سئل ماذا يتقي من الضحايا فأشار بيده وقال : ” أربعاً : العرجاء البين ظلعها ، والعوراء البين عورها ، والمريضة البين مرضها ، والعجفاء التي لا تنقى “. رواه مالك في الموطأ من حديث البراء بن عازب .

الرابع: أن تكون ملكاً للمضحي ، أو مأذوناً له فيها من قبل الشرع ، أو من قبل المالك

فلا تصح التضحية بما لا يملكه كالمغصوب والمسروق والمأخوذ بدعوى باطلة ونحوه ؛ لأنه لا يصح التقرب إلى الله بمعصيته . وتصح تضحية ولي اليتيم له من ماله إذا جرت به العادة وكان ينكسر قلبه بعدم الأضحية .وتصح تضحية الوكيل من مال موكله بإذنه .

الخامس: أن لا يتعلق بها حق للغير فلا تصح التضحية بالمرهون.

السادس : أن يضحي بها في الوقت المحدود شرعاً

وهو من بعد صلاة العيد يوم النحر إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة ، فتكون أيام الذبح أربعة : يوم العيد بعد الصلاة ، وثلاثة أيام بعده ، فمن ذبح قبل فراغ صلاة العيد ، أو بعد غروب الشمس يوم الثالث عشر لم تصح أضحيته ؛ لما روى البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : ” من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله وليس من النسك في شيء “.

ويجوز ذبح الأضحية في الوقت ليلاً ونهارا ً، والذبح في النهار أولى ، ويوم العيد بعد الخطبتين أفضل ، وكل يوم أفضل مما يليه ؛ لما فيه من المبادرة إلى فعل الخير .

ويَسُنُّ إِذَا رَجَعَ الإِنْسانُ مِنَ الْمُصَلَّى فِي يَوْمِ الْعِيدِ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، وَمِنْ السُّنَّةِ كَذَلِكَ أَن لاَ يَأْكُلَ فِي هَذَا الْيَوْمِ إلاَّ مِنْ أُضحِيَتِهِ، وَأَنْ يُبَادِرَ بِذَبحِ أُضحِيَتِهِ بِنَفْسِهِ – إِنِ اسْتَطَاعَ – فَيُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، وَيَذْبَحُ. وَلْيُرِحِ الذَّبيحَةَ عِنْدَ اقْتِيادِهَا وَذَبْحِهَا. وأنْ يأكل مِنْ أُضْحِيَته وَيتَصَدَّقْ ويهدي ، تقبّل الله من الجميع .